توحيد الربوبية
📜 توحيد الربوبية
🌌 المشهد الافتتاحي: لحظة ارتجاف القلب
السنة الثانية للهجرة. جُبير بن مُطعم يأتي المدينة للتفاوض في أسرى بدر، وكان لا يزال مشركاً.
حان وقت المغرب. النبي ﷺ يؤم الناس في الصلاة. جُبير واقف، يستمع...
قرأ النبي ﷺ سورة الطور، حتى بلغ:
ﶾأَمْ خُلِقوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقونَ ’ أَمْ خَلَقوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۛ بَل لَّا يوقِنونَﶽ
قال جُبير لاحقاً: «كاد قلبي أن يطير! وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي.»
(صحيح البخاري ٤٨٥٤)
مدخل تأملي
قبل أن تقرأ هذا الدرس... انظر حولك.
من أين جاء هذا الكون الفسيح؟ من يُمسك السماء أن تقع على الأرض؟ من يُجري الأنهار ويُنبت الزرع؟ من يُحيي ويُميت؟
هل يمكن أن يكون كل هذا صدفة؟
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾
[الطور: 35-36]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "هذه الآية من أعظم الأدلة على وجود الخالق وعظمته."
التعريف
لغةً
الرب في اللغة: المالك، السيد، المُربّي، المُصلح، المُدبّر.
ومنه قولهم: "ربُّ البيت" أي صاحبه ومدبره.
اصطلاحاً
توحيد الربوبية هو: إفراد الله تعالى بأفعاله، من:
- الخلق - إيجاد الأشياء من العدم
- المُلك - له السلطان المطلق
- التدبير - يُصرّف شؤون الكون كلها
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "هو الإقرار بأن الله وحده هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لجميع الأمور."
🏛️ أركان توحيد الربوبية
الركن الأول: الله وحده الخالق
ما معنى الخلق؟
الخلق نوعان:
- خلق الإيجاد: إخراج الشيء من العدم إلى الوجود
- خلق التقدير: تحديد صفات المخلوق وشكله ومقداره
وكلاهما لله وحده.
الأدلة
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[الزمر: 62]
تأمّل: "كل شيء"! لا استثناء. كل ذرة في الكون خلقها الله.
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾
[فاطر: 3]
سؤال استنكاري جوابه: لا أحد.
قصة جُبير بن مُطعم
جاء جُبير بن مُطعم إلى النبي ﷺ في فداء أسرى بدر -وكان مشركاً- فسمع النبي ﷺ يقرأ في صلاة المغرب سورة الطور، فلما بلغ:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾
قال جُبير: "كاد قلبي أن يطير! وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي."
(صحيح البخاري 4854)
الركن الثاني: الله وحده المالك
ملكية مطلقة
ليست كملكية البشر الناقصة المحدودة. ملكية الله:
- شاملة: له ما في السموات وما في الأرض
- أزلية أبدية: لا بداية لها ولا نهاية
- حقيقية تامة: يتصرف كيف يشاء
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[آل عمران: 189]
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[آل عمران: 26]
الركن الثالث: الله وحده المدبر
معنى التدبير
هو تصريف شؤون المخلوقات وتنظيمها والقيام عليها.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾
[يونس: 3]
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾
[السجدة: 5]
من صور التدبير الإلهي
- تدبير الأرزاق: يقسم الأرزاق بين العباد بحكمة
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾
[الرعد: 26]
- تدبير الأقدار: يُقدّر الحياة والموت والخير والشر
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
[الأنعام: 59]
- تدبير الليل والنهار: يُقلّب الأزمنة بنظام محكم
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾
[النور: 44]
أفعال الله الدالة على ربوبيته
١. الإحياء والإماتة
﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[يونس: 56]
تأمّل: من الذي ينفخ الروح في الجنين؟ من الذي يقبضها عند الموت؟
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾
[الزمر: 42]
٢. الرزق
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
[الذاريات: 58]
قال النبي ﷺ:
«إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي: أنَّ نَفْسًا لَن تَمُوتَ حتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللهَ وأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ»
(صححه الألباني)
٣. النفع والضر
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾
[يونس: 107]
قال النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما:
«واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَو اجْتَمَعَتْ علَى أنْ يَنْفَعُوكَ بشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بشَيءٍ قدْ كَتَبَهُ اللهُ لكَ، ولَو اجْتَمَعُوا علَى أنْ يَضُرُّوكَ بشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بشَيءٍ قدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ»
(صحيح الترمذي 2516)
تنبيه مهم: هل يكفي الإقرار بالربوبية؟
مشركو العرب كانوا يُقرّون بها!
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
[لقمان: 25]
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾
[يونس: 31]
لماذا لم يكونوا مسلمين إذاً؟
لأنهم أشركوا في العبادة!
كانوا يعرفون أن الله هو الخالق الرازق... لكنهم يعبدون معه الأصنام!
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
"فمن عرف هذا عرف أن الكفار كانوا يُقرّون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر... ولكنهم كانوا يدعون مع الله غيره، ويتوجهون إلى غيره، ولهذا قاتلهم النبي ﷺ."
الخلاصة
توحيد الربوبية وحده لا يُدخل الإسلام!
بل لا بد من توحيد الألوهية = إفراد الله بالعبادة.
ثمرات الإيمان بتوحيد الربوبية
١. التوكل على الله
إذا علمت أن الله وحده هو الرازق المدبر... فعلام تتوكل على غيره؟
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
[الطلاق: 3]
٢. الرضا بالقضاء والقدر
إذا علمت أن كل شيء بيد الله... فلماذا تسخط على ما قدّره؟
٣. عدم الخوف من المخلوقين
من يملك النفع والضر إلا الله؟
٤. محبة الله وتعظيمه
من خلقك ورزقك ودبّر أمرك... أليس أحق بحبك وتعظيمك؟
٥. الاستدلال على وجوب عبادته
قال الله تعالى محتجاً على المشركين:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[البقرة: 21]
لاحظ: احتج بالربوبية (خلقكم) على وجوب الألوهية (اعبدوا).
🛡️ شُبُهات والرد عليها
الشبهة الأولى: "الطبيعة هي التي تخلق وتُدبّر"
❌ الشبهة: يقول بعض الملاحدة: "الطبيعة هي التي أوجدت الكون والحياة، لا حاجة لخالق!"
✅ الرد:
-
الطبيعة مخلوقة لا خالقة!
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35]
من خلق قوانين الطبيعة نفسها؟ من جعل الماء يغلي عند 100 درجة؟
-
الطبيعة لا عقل لها ولا إرادة:
كيف لشيء بلا عقل أن يُصمّم عيناً بـ 130 مليون خلية بصرية؟! -
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"فإن قيل: وُجد بالطبيعة. قلنا: ومن أوجد الطبيعة؟ فلا بد من موجِد، ولا بد لكل مخلوق من خالق."
-
مثال للتوضيح:
لو وجدت ساعة في الصحراء، هل تقول: "الطبيعة صنعتها"؟ أم تُدرك أن لها صانعاً؟ فكيف بهذا الكون المُعقّد؟!
الشبهة الثانية: "الكون وُجد بالصدفة"
❌ الشبهة: يزعم بعضهم أن الكون وُجد صدفة دون خالق!
✅ الرد:
-
الصدفة لا تُنتج نظاماً:
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88]
هل الصدفة تُتقن؟! هل العشوائية تُنتج كمالاً؟!
-
احتمالات رياضية مستحيلة:
قال العلماء: احتمال تكوُّن خلية واحدة بالصدفة = 1 من 10 أُس 40,000!
هذا الرقم أكبر من عدد الذرات في الكون! -
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله لمن سأله عن وجود الله:
"سفينة مملوءة بالبضائع تسير في البحر وترجع بنفسها دون قبطان، هل هذا ممكن؟ قال: لا. قال: فكيف هذا الكون بلا مدبر؟!"
-
قال الأعرابي في فطرته:
"البَعْرَةُ تدلُّ على البعير، والأثرُ يدلُّ على المسير، فسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فِجاج، ألا تدلُّ على اللطيف الخبير؟!"
الشبهة الثالثة: "التطور يُفسّر وجود الحياة"
❌ الشبهة: يقول بعضهم: "نظرية التطور تُفسّر الحياة دون حاجة لخالق!"
✅ الرد:
-
التطور - لو صحّ - يصف كيف، لا مَن:
حتى لو تطورت الكائنات، فمن أوجد الخلية الأولى؟ من وضع قوانين التطور نفسها؟ -
الخلق يبقى حقيقة:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12]
-
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"لو فُرض أن الإنسان تطور من كائن آخر، فمن خلق ذلك الكائن؟ لا بد من البدء بخالق."
-
المعجزات تكسر القوانين:
آدم عليه السلام خُلق من طين بلا أب ولا أم، وعيسى عليه السلام خُلق من أم بلا أب.﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]
الشبهة الرابعة: "الشر في العالم يُنافي وجود إله رحيم"
❌ الشبهة: "لو كان الله موجوداً ورحيماً، لماذا يوجد المرض والفقر والظلم؟"
✅ الرد:
-
الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]
-
الحكمة قد تخفى علينا:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]
المريض قد يُكفَّر عنه، والفقير قد يُرفع درجته.
-
الشر نسبي:
ما تراه شراً قد يكون خيراً في علم الله. -
الجزاء في الآخرة:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]
-
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"الله تعالى له الحكمة البالغة فيما يقضيه ويقدره، وإن خفيت على العباد."
الشبهة الخامسة: "العلم الحديث يُغني عن الإيمان"
❌ الشبهة: "العلم اكتشف كل شيء، لا نحتاج للإيمان بالغيب!"
✅ الرد:
-
العلم يُثبت وجود الخالق ولا يُنفيه:
كلما اكتشف العلم شيئاً، ظهرت عظمة الخالق!قال الله تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]
-
أعظم العلماء آمنوا بالله:
- نيوتن مكتشف الجاذبية كان مؤمناً
- أينشتاين قال: "العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى" (ملاحظة: أينشتاين كان ربوبياً لا موحّداً بالمعنى الإسلامي)
- فرانسيس كولينز (قائد مشروع الجينوم البشري) مؤمن
-
العلم محدود:
العلم يُجيب "كيف" لكن لا يُجيب "لماذا"
العلم لا يستطيع دراسة ما قبل الكون ولا ما بعد الموت. -
قال الشيخ ابن باز رحمه الله:
"كل اكتشاف علمي صحيح يزيد المؤمن إيماناً بعظمة الله وقدرته."
📜 قصص وآثار في توحيد الربوبية
قصة الإمام أبي حنيفة مع الدهريين
جاء قومٌ من الدهريين (منكري الخالق) إلى الإمام أبي حنيفة ليناظروه...
فقال لهم الإمام: "دعوني أُفكّر في أمر أخبروني به!"
قالوا: وما هو؟
قال: "أخبروني عن سفينة في البحر، مملوءة بالبضائع، تذهب وترجع، وتُرسي في الموانئ، وتُفرّغ حمولتها وتُحمّل غيرها... كل هذا بلا رُبّان يُديرها!"
قالوا: هذا محال! لا يقوله عاقل!
فقال الإمام: "سبحان الله! سفينة لا تجري بلا ربان، وهذا الكون العظيم بما فيه من سماوات وأرض وبحار وجبال يجري بلا مُدبّر؟!"
فبُهتوا وأسلم بعضهم.
قصة الأعرابي والفطرة السليمة
سُئل أعرابي: بِمَ عرفتَ ربك؟
فقال: "البَعْرَةُ تدلُّ على البعير، والأثرُ يدلُّ على المسير، فسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فِجاج، وبحارٌ ذات أمواج، ألا تدلُّ على اللطيف الخبير؟!"
قصة المأمون والطبيب النصراني
كان للخليفة المأمون طبيب نصراني، فناظره الإمام علي الرضا في وجود الخالق...
فقال له: "أخبرني، لو لم يكن لهذا العالم مُدبّر ولا صانع، فمن أين جاءت هذه المخلوقات؟ ومن أجرى هذه الأفلاك؟"
فقال الطبيب: "سبحان الله! هذا لا يكون إلا من صانع حكيم!"
💎 أقوال العلماء في توحيد الربوبية
الإمام ابن كثير رحمه الله
"توحيد الربوبية مما فطر الله عليه خلقه، ولهذا لم يُنكره إلا شواذ من الناس كفرعون الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾، وهو في قرارة نفسه يعلم أن الله هو الخالق."
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
"الإقرار بالربوبية لا يكفي لدخول الإسلام، وإلا لكان المشركون مسلمين! فإنهم كانوا يُقرّون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت."
الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
"توحيد الربوبية حجة على العباد، من أقرّ بأن الله خلقه ورزقه، لزمه أن يعبده وحده لا شريك له."
الشيخ السعدي رحمه الله
"من تأمل في هذا الكون وما فيه من إحكام وإتقان، علم يقيناً أن له رباً حكيماً عليماً قديراً."
📖 من قصص السلف: عبد الله بن المبارك والفطرة السليمة
في القرن الثاني الهجري، جاء رجل إلى الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله يشكو له حاله...
قال الرجل: "يا إمام، أجد في نفسي وساوس تُشككني في وجود الله!"
سكت ابن المبارك لحظة، ثم قال: "أرأيت لو كنت في صحراء، وضللت الطريق، وانتهى ماؤك وزادك، ثم رأيت قافلة قادمة من بعيد... أتفرح أم تحزن؟"
قال: أفرح بالطبع!
قال: "ولماذا تفرح؟"
قال: لأنهم سينقذونني!
قال ابن المبارك: "إذاً أنت تعلم في فطرتك أن هناك مَن يملك أن ينفعك ويضرك! وهذا هو معنى الربوبية. فالذي يملك نفعك الحقيقي وضرك الحقيقي هو الله وحده!"
فزالت وساوس الرجل.
📌 العبرة: الفطرة السليمة تشهد بتوحيد الربوبية، وإنما تُطمس بالشبهات والشهوات. ومن رجع إلى فطرته وجد الله.
🎯 حالات معاصرة: توحيد الربوبية في حياتنا
الحالة ١: الطالب والامتحان
الموقف: طالب يستعد لامتحان مصيري. يقول لصديقه: "لو نجحت، فهذا بجهدي وذكائي فقط!"
السؤال: هل هذا الكلام صحيح؟
الجواب: ❌ هذا نقص في فهم توحيد الربوبية. النجاح بيد الله، وإن كان السعي مطلوباً.
✅ الصواب: "أسعى وأتوكل على الله، فهو الذي يُوفّق ويُسدّد."
قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88]
الحالة ٢: المريض والطبيب
الموقف: مريض يقول: "الطبيب فلان هو الذي شفاني!"
السؤال: ما الخلل في هذا الكلام؟
الجواب: ❌ نسبة الشفاء للطبيب وحده خلل عقدي.
✅ الصواب: "الله شفاني، والطبيب سبب." الطبيب يُعالج ولكن الله يشفي.
قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]
الحالة ٣: التاجر والرزق
الموقف: تاجر يقول: "أنا صنعت ثروتي بنفسي، وهذا المال من عرق جبيني!"
السؤال: هل هذا الكلام مقبول شرعاً؟
الجواب: ❌ هذا من جنس قول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]
✅ الصواب: "الله رزقني، وأنا بذلت السبب." الرازق هو الله وحده.
الحالة ٤: الملحد والكون
الموقف: شخص يقول: "الكون وُجد بالصدفة عبر ملايين السنين، لا حاجة لفكرة الخالق!"
السؤال: كيف نرد على هذه الشبهة؟
الجواب:
- الصدفة لا تُنتج نظاماً محكماً
- كل موجود لا بد له من موجِد
- ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35]
- لو وجدت ساعة في الصحراء، هل تقول "وُجدت صدفة"؟ فكيف بهذا الكون المعقد!
الحالة ٥: الطفل والسؤال الفطري
الموقف: طفل يسأل أمه: "ماما، مَن خلق السماء والشمس والقمر؟"
السؤال: ماذا يدل هذا السؤال؟
الجواب: ✅ هذا دليل الفطرة! الطفل بفطرته يعلم أن لكل مخلوق خالقاً.
الجواب الصحيح للأم: "الله يا بني. هو الذي خلق كل شيء، وهو الذي يرزقنا ويحفظنا."
💡 توقف وتأمل
سؤال للتفكير:
انظر الآن إلى يدك... مَن صمّم هذه الأصابع الخمس؟ مَن جعل فيها مفاصل تتحرك بهذه الدقة؟ مَن أعطاها القوة لتمسك وتكتب وتعمل؟
لو اجتمع كل علماء الأرض، هل يستطيعون صنع يد واحدة تعمل كيدك؟!
تذكَّر:
- أنت مخلوق لخالق عظيم
- كل نعمة فيك من الله
- الإقرار بالربوبية يستوجب العبادة
- ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
دعاء
اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيّوم السموات والأرض ومن فيهن.
اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن.
اللهم لك الحمد، أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن.
(من دعاء النبي ﷺ - صحيح البخاري 1120)
وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. 📖