انتقل إلى المحتوى الرئيسي
الدرس 2 من 855 min

توحيد الألوهية

📜 توحيد الألوهية (توحيد العبادة)

⚔️ المشهد الافتتاحي: يوم حطّم إبراهيم الأصنام

بابل، قبل أكثر من 4000 سنة. المدينة خالية - الجميع ذهبوا للعيد السنوي للأصنام.

شاب وحيد بقي. دخل المعبد. عشرات التماثيل تحدّق فيه بعيون من حجر.

أخذ فأساً...

عاد الناس، فوجدوا أصنامهم مُحطّمة - إلا الكبيرة، والفأس على كتفها.

🗣️ صاحوا: «مَن فَعَلَ هٰذَا بِآلِهَتِنَا؟!»

🔵 إبراهيم: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ»

🗣️ اعترفوا: «لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هٰؤُلَآءِ يَنطِقُونَ!»

🔵 إبراهيم: «أُفِّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» (الأنبياء: 66-67)

في ذلك اليوم، علّمهم إبراهيم عليه السلام درس توحيد الألوهية.

مدخل تأملي

لماذا خُلقت؟ ما الغاية من وجودك في هذه الحياة؟

هذا السؤال الذي حيّر الفلاسفة قروناً... أجاب عليه الله في آية واحدة:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: 56]

أنت موجود لتعبد الله! هذا هو توحيد الألوهية.


التعريف

لغةً

الإله: المعبود. والألوهية: العبودية والتعبد.

ومنه قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ أي: المعبود بحق.

اصطلاحاً

توحيد الألوهية هو: إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، قولاً وعملاً.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

"هو إفراد الله تعالى بالعبادة، بأن لا يُتخذ مع الله شريك في عبادته، كما لم يكن له شريك في مُلكه."


أهمية توحيد الألوهية

١. هو المقصود الأعظم من بعثة الرسل

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: 36]

كل رسول قال لقومه: اعبدوا الله!

٢. هو التوحيد الذي وقع فيه الخلل

المشركون كانوا يُقرّون بتوحيد الربوبية، لكنهم أشركوا في العبادة.

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾
[يوسف: 106]

٣. به تُقبل الأعمال أو تُرد

﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
[الكهف: 110]


معنى العبادة

تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية

"العبادة: اسم جامع لكل ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة."

شمولية العبادة

العبادة ليست الصلاة والصيام فقط! بل تشمل:

  • عبادات القلب: الحب، الخوف، الرجاء، التوكل، الإنابة
  • عبادات اللسان: الذكر، الدعاء، الاستغفار، تلاوة القرآن
  • عبادات الجوارح: الصلاة، الصيام، الحج، الجهاد، الصدقة

أنواع العبادة التي لا تُصرف إلا لله

١. الدعاء

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾
[الجن: 18]

قال النبي ﷺ:

«الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»
(سنن الترمذي 3372 - صحيح)

من دعا غير الله فقد أشرك!

٢. الخوف (خوف السر)

﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
[آل عمران: 175]

خوف السر: أن تخاف من غير الله أن يضرك بقدرة غيبية.

٣. الرجاء

﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾
[الكهف: 110]

٤. التوكل

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
[المائدة: 23]

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
[الطلاق: 3]

٥. الذبح والنذر

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾
[الأنعام: 162-163]

قال النبي ﷺ:

«لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ»
(صحيح مسلم 1978)

٦. الاستعاذة والاستغاثة

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
[الفلق: 1]

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾
[الأنفال: 9]

٧. الركوع والسجود

﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾
[آل عمران: 43]


🔍 الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية

توحيد الربوبيةتوحيد الألوهية
توحيد الله في أفعاله هوتوحيد الله في أفعالنا نحن
الإقرار بأن الله الخالق الرازقإفراد الله بالعبادة
أقرّ به المشركونأنكره المشركون
لا يكفي وحده للإسلامهو حقيقة الإسلام

شروط قبول العبادة

الشرط الأول: الإخلاص لله

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
[البينة: 5]

قال النبي ﷺ في الحديث القدسي:

«أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»
(صحيح مسلم 2985)

الشرط الثاني: المتابعة للنبي ﷺ

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾
[الحشر: 7]

قال النبي ﷺ:

«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»
(صحيح مسلم 1718)


الشرك الأكبر: نقيض توحيد الألوهية

تعريفه

صرف شيء من العبادة لغير الله.

أنواعه

  1. شرك الدعاء: دعاء غير الله
  2. شرك النية والقصد: العمل لغير الله
  3. شرك الطاعة: طاعة غير الله في تحليل الحرام أو تحريم الحلال
  4. شرك المحبة: محبة غير الله كمحبته أو أعظم

خطورته

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾
[النساء: 48]

قال النبي ﷺ:

«مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ»
(صحيح البخاري 4497)


🛡️ شُبُهات والرد عليها

الشبهة الأولى: "نحن لا نعبد الأولياء، بل نتوسل بهم!"

❌ الشبهة: يقول بعضهم: "نحن لا نعبد الأولياء والصالحين، إنما نتوسل بهم إلى الله لأنهم أقرب منا إليه!"

✅ الرد:

  1. هذا بعينه قول المشركين الأولين!

    ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3]

    قالوا نفس الكلام! "ليقربونا إلى الله"!

  2. دعاء الميت عبادة له:
    الدعاء عبادة، فمن دعا غير الله فقد عبده.

    ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]

  3. الله أقرب إليك من كل أحد!

    ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]

    لم يقل: "قل إني قريب"، بل قال: "فإني قريب" مباشرة!

  4. قال الشيخ ابن باز رحمه الله:

    "من دعا الأموات أو الغائبين مستغيثاً بهم فقد أشرك بالله الشرك الأكبر، ولو سماه توسلاً."


الشبهة الثانية: "الاستغاثة بالصالحين ليست شركاً!"

❌ الشبهة: "الاستغاثة بالأولياء جائزة لأنهم أحياء عند ربهم!"

✅ الرد:

  1. الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله = شرك:

    ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62]

    الله وحده يُجيب المضطر!

  2. الأموات لا يسمعون:

    ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ﴾ [النمل: 80]
    ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22]

  3. الأموات لا يملكون شيئاً:

    ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: 13]

    (القطمير: القشرة الرقيقة على نواة التمر!)

  4. حتى الأنبياء لا يُستغاث بهم:
    قال النبي ﷺ عن نفسه:

    «لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»

    فكيف بمن دونه؟!


الشبهة الثالثة: "الذبح للولي تكريم وليس عبادة!"

❌ الشبهة: "نحن نذبح عند القبر تكريماً للولي، لا عبادة له!"

✅ الرد:

  1. الذبح عبادة عظيمة لا تُصرف إلا لله:

    ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]

    قرن الصلاة بالنحر لأن كليهما عبادة.

  2. الذبح لغير الله شرك ملعون صاحبه:

    «لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ» (صحيح مسلم 1978)

  3. العبرة بالقصد:
    إذا ذُبح تقرباً للولي أو رجاءً منه = شرك.
    إذا ذُبح لله عند القبر = بدعة ووسيلة للشرك.

  4. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

    "من ذبح تقرباً لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر، فهو مشرك."


الشبهة الرابعة: "النذر للولي جائز!"

❌ الشبهة: "أنا أنذر للولي فلان إذا شُفي ابني!"

✅ الرد:

  1. النذر عبادة:

    ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7]

    مدح الله المؤمنين بالوفاء بالنذر، فدلّ على أنه عبادة.

  2. صرف العبادة لغير الله شرك:
    من نذر لغير الله كمن صلى لغير الله!

  3. الولي لا يملك نفعاً ولا ضراً:

    ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 188]

  4. قال العلماء:
    النذر لغير الله باطل، وإن كان المنذور له صالحاً.


الشبهة الخامسة: "التبرك بآثار الصالحين مشروع!"

❌ الشبهة: "الصحابة تبركوا بآثار النبي ﷺ، فلماذا لا نتبرك بآثار الأولياء؟"

✅ الرد:

  1. التبرك بآثار النبي ﷺ خاص به:
    لم ينقل عن الصحابة أنهم تبركوا بأبي بكر أو عمر رضي الله عنهما!

  2. لم يتبرك أحد بقبر النبي ﷺ!
    الصحابة لم يمسحوا قبره ولم يتوجهوا إليه بالدعاء.

  3. سد الذريعة:
    التبرك بالصالحين ذريعة للشرك، ولذلك منعه العلماء.

  4. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

    "التبرك بآثار النبي ﷺ كان في حياته، أما بعد موته فلم ينقل، وأما غيره من الصالحين فلم يفعله الصحابة مع أبي بكر وعمر."


الشبهة السادسة: "أنتم تُكفّرون المسلمين!"

❌ الشبهة: "كل من يُحذّر من هذه الأفعال يُكفّر المسلمين ويُخرجهم من الإسلام!"

✅ الرد:

  1. الفرق بين الفعل والفاعل:
    الفعل قد يكون شركاً، لكن الفاعل قد يكون جاهلاً أو متأولاً.

  2. التكفير له ضوابط:
    لا يُكفَّر المعين حتى تُقام عليه الحجة وتُستوفى الشروط وتنتفي الموانع.

  3. الهدف هو البيان لا التكفير:

    ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]

    نُبيّن الحق حتى يتبعه الناس.

  4. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

    "الحكم على الأفعال بأنها شرك لا يلزم منه تكفير الفاعل، فقد يكون جاهلاً أو مخطئاً."


📜 قصص وآثار في توحيد الألوهية

قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه

قال إبراهيم لأبيه وقومه:

﴿مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]

ثم حطّم أصنامهم وترك الكبير منها، فلما سألوه قال:

﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63]

فاعترفوا بالحق:

﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 65]

فألزمهم الحجة:

﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: 66]


قصة عدي بن حاتم رضي الله عنه

جاء عدي بن حاتم وكان نصرانياً، فسمع النبي ﷺ يقرأ:

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]

فقال عدي: "ما كنا نعبدهم!"

فقال النبي ﷺ:

«أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟»

قال: بلى.

قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» (حسنه الألباني)


قصة الصحابة مع ذات أنواط

في غزوة حنين مرّ الصحابة على شجرة كان المشركون يُعلّقون عليها أسلحتهم تبركاً بها، تُسمى "ذات أنواط".

فقال بعض الصحابة حديثي العهد بالإسلام: "يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط!"

فقال النبي ﷺ:

«اللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ! قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ» (صححه الألباني)


💎 أقوال العلماء في توحيد الألوهية

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

"توحيد الألوهية هو الفارق بين الموحدين والمشركين، وهو التوحيد الذي تضمنته كلمة لا إله إلا الله."


الإمام ابن القيم رحمه الله

"العبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل والخضوع، ولا تصلح إلا لله وحده."


الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

"التوحيد الذي جاءت به الرسل هو إفراد الله بالعبادة، فكل من دعا غير الله أو ذبح لغيره أو نذر لغيره فهو مشرك ولو صلى وصام."


الشيخ ابن باز رحمه الله

"توحيد العبادة هو أهم أنواع التوحيد وأعظمها، وهو الذي وقع فيه النزاع بين الرسل وأقوامهم."


📖 من قصص السلف: سعيد بن جبير وإخلاص العبادة

في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي، كان التابعي الجليل سعيد بن جبير رحمه الله من أعظم العلماء.

لما أُتي به إلى الحجاج ليُقتل، قال له الحجاج متهكماً: "أنت سعيد بن جبير؟ بل أنت شقي بن كُسير!"

فقال سعيد بثبات: "بل سمتني أمي سعيداً، وهي أعلم!"

قال الحجاج: "اختر لنفسك أي قتلة شئت!"

فقال سعيد رحمه الله: "بل اختر لنفسك أنت، فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها يوم القيامة!"

ثم التفت إلى القبلة وقال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

وقُتل رحمه الله، ولم يمض على الحجاج إلا قليل حتى مات في كرب شديد.

📌 العبرة: سعيد بن جبير وجّه عبادته لله وحده حتى في لحظة الموت، ولم يخف من المخلوق لأنه عَلِم أن الضار والنافع هو الله.


🎯 حالات معاصرة: توحيد الألوهية في حياتنا

الحالة ١: التمائم والخرز الزرقاء

الموقف: أم تُعلّق خرزة زرقاء على صدر طفلها الرضيع "لحمايته من العين".

السؤال: ما حكم هذا الفعل؟

الجواب: ❌ هذا من الشرك الأصغر (التمائم المحرمة)، وقد يصل للأكبر إن اعتقد أنها تنفع بذاتها.

الصواب: الرقية الشرعية بالقرآن والأذكار، والتوكل على الله وحده.

قال النبي ﷺ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (أحمد، صحيح)


الحالة ٢: الحلف بغير الله

الموقف: شاب يقول: "والنبي ما فعلت هذا!" أو "وحياتك ما كذبت!"

السؤال: هل يجوز الحلف بغير الله؟

الجواب: ❌ لا يجوز الحلف بغير الله، وهو من الشرك الأصغر.

قال النبي ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» (أحمد، صحيح)

الصواب: الحلف بالله وحده: "والله"، "بالله"، "تالله".


الحالة ٣: دعاء الأموات

الموقف: رجل يذهب إلى قبر ولي صالح ويقول: "يا سيدي! اشفِ ابني المريض!"

السؤال: ما حكم هذا الفعل؟

الجواب: ❌ هذا شرك أكبر مخرج من الملة! الدعاء عبادة لا تُصرف إلا لله.

الصواب: أن يدعو الله وحده: "اللهم اشفِ ابني!"

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]


الحالة ٤: الذبح عند العتبة

الموقف: رجل يذبح ذبيحة على عتبة بيته الجديد "لتحميته من الجن والشر".

السؤال: ما حكم هذا؟

الجواب: ❌ إن ذُبحت تقرباً للجن = شرك أكبر.

الصواب: تُذبح لله شكراً له على البيت الجديد، وتُوزع على الفقراء.

قال النبي ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ» (مسلم)


الحالة ٥: الرياء في العبادة

الموقف: شاب يُطيل صلاته أمام الناس ليُقال عنه "تقي وورع"، لكنه يُقصّرها إذا صلى وحده.

السؤال: ما خطورة هذا؟

الجواب: ❌ هذا رياء وهو شرك خفي يُبطل العمل!

قال النبي ﷺ في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (مسلم)

الصواب: الإخلاص لله في السر والعلن.


💡 توقف وتأمل

سؤال للتفكير:

لو كنت وحدك في غرفة مظلمة، لا يراك أحد من البشر... هل تتغير عبادتك؟ هل صلاتك في السر كصلاتك أمام الناس؟

إن كان الجواب: نعم تتغير... فهذا مؤشر خطير على نقص الإخلاص!

تذكَّر:

  • الله يراك حين تقوم وحين تسجد
  • ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]
  • الإخلاص أن يستوي سرك وعلانيتك
  • قال الفضيل بن عياض: "ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يُعافيك الله منهما."

ثمرات توحيد الألوهية

  1. دخول الجنة والنجاة من النار
  2. حصول الأمن والاهتداء في الدنيا

    ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]

  3. قبول الأعمال عند الله
  4. التحرر من عبودية المخلوقين
  5. الطمأنينة والسكينة في القلب

دعاء

اللهم إنا نعوذ بك من أن نُشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه.
اللهم اجعلنا من الموحدين الذين لا يدعون مع الله أحداً.
اللهم أحينا على التوحيد وأمتنا عليه واحشرنا مع أهله.

وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. 📖

جاري تحميل الشجرة...