انتقل إلى المحتوى الرئيسي
الدرس 8 من 850 min

الإيمان بالقدر

📜 الإيمان بالقدر — الركن السادس من أركان الإيمان

🌍 الحادثة المؤسسة: عمر أمام الطاعون

العام الثامن عشر للهجرة. الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقود جيشه نحو الشام...

في سَرْغ، يأتي فارس مُنهك...

الفارس: « يا أمير المؤمنين! الطاعون يفتك بالشام. آلاف يموتون كل يوم! »

يجمع عمر الصحابة. يحتدم النقاش...

بعض المهاجرين: « خرجنا في سبيل الله، فلا نفر! »

بعض الأنصار: « الأولى الرجوع حفاظاً على المسلمين. »

يدخل عبد الرحمن بن عوف — وقد غاب عن المجلس:

عبد الرحمن بن عوف: « عندي علم! سمعت النبي ﷺ يقول: إذا سمعتم بالطاعون بأرضٍ فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه. »

يأمر عمر بالرجوع. يقوم أبو عبيدة مستغرباً:

أبو عبيدة: « أتفرّ من قدر الله يا عمر؟! »

يلتفت عمر بثبات:

عمر: « نعم، نفرّ من قدر الله إلى قدر الله! »

عمر: « أرأيت لو كان لك إبل، فهبطت وادياً له عُدوتان: إحداهما خصبة والأخرى جدبة—أليس إن رعيتَ الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتَ الجدبة رعيتها بقدر الله؟ »

(صحيح البخاري 5729)

الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان الستة.


📖 الحديث المؤسس

📜 من حديث جبريل عليه السلام

« الإيمانُ أن تُؤمِنَ باللهِ وملائكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالقَدَرِ خيرِه وشَرِّه**. »**

(صحيح مسلم 8)

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]


🌳 مراتب القدر الأربع

1. العلم

علم الله بكل شيء قبل وجوده.

﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: 59]

﴿وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 38]

2. الكتابة

كتب الله كل شيء في اللوح المحفوظ.

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: 70]

قال النبي ﷺ:

"كتَبَ اللهُ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يَخلُقَ السمواتِ والأرضَ بخمسين ألفَ سنةٍ." (صحيح مسلم 2653)

3. المشيئة

لا يقع شيء إلا بمشيئة الله.

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]

﴿ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: 96]

4. الخلق

الله خالق كل شيء، بما في ذلك أفعال العباد.

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62]

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]


أنواع القدر

1. القدر الكوني

ما يقدّره الله في الكون (الحياة، الموت، المرض، الرزق...)

﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: 17]

2. القدر الشرعي

ما يأمر الله به أو ينهى عنه.

الطاعة مما يحبه الله ويرضاه.
المعصية مما يبغضه الله، وإن وقعت بمشيئته الكونية.


الإنسان بين القدر والاختيار

الإنسان له إرادة حقيقية

﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28]

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]

هذه الإرادة تحت مشيئة الله

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: 29]

النتيجة

  • الإنسان مسؤول عن أفعاله لأنه يختار حقيقة
  • لكن لا شيء يخرج عن مشيئة الله وعلمه

ما يقتضيه الإيمان بالقدر

1. التسليم لله

قبول ما يصيبنا بالصبر والرضا.

﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51]

2. العمل والاجتهاد

الإيمان بالقدر ليس عذراً للكسل.

قال النبي ﷺ:

«تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً»
"تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء." (أبو داود 3855، صححه الألباني)

وقال رجل للنبي ﷺ: "أُرسِلُ ناقتي وأتوكّلُ؟"
قال ﷺ:

«اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ»
"اعقلها وتوكّل." (الترمذي 2517، حسّنه الألباني)

3. عدم الاحتجاج بالقدر

لا نبرر المعاصي بالقدر، لأن لنا اختياراً.


ما يحرم في باب القدر

1. الجبرية

الزعم أن الإنسان ليس له اختيار وهو مجبور تماماً.

الرد: أثبت الله للإنسان إرادة واختياراً.

2. القدرية

الزعم أن الإنسان يخلق أفعاله مستقلاً عن الله.

الرد: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]


ثمرات الإيمان بالقدر

  1. طمأنينة القلب: بمعرفة أن كل شيء مقدّر من الحكيم العليم

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ۝ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 22-23]

  1. الشجاعة: بمعرفة أن ما كُتب سيقع، وأن الموت له أجل

  2. التواضع: بالاعتراف أن نجاحاتنا من الله

  3. الصبر في البلاء: بمعرفة أنه ابتلاء من الله

  4. الشكر في النعمة: بشكر من قدّر الخير


ما ينبغي أن يقوله المؤمن تجاه القدر

عند المصيبة

قال النبي ﷺ:

"المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ. احرِصْ على ما ينفَعُكَ واستَعِنْ باللهِ ولا تَعجَزْ. فإنْ أصابَكَ شيءٌ فلا تقُلْ: لو أنّي فعَلتُ كان كذا وكذا، ولكنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وما شاءَ فعَلَ. فإنّ 'لو' تفتَحُ عمَلَ الشيطانِ." (صحيح مسلم 2664)

عند النعمة

﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: 78]

وشكر الله: "الحمد لله".


🛡️ شُبُهات والرد عليها

الشبهة الأولى: "إذا كان كل شيء مقدراً فلماذا نعمل؟"

❌ الشبهة: "إذا كتب الله كل شيء، فلماذا نتعب؟ ما كُتب سيحصل!"

✅ الرد:

  1. النبي ﷺ أجاب عن هذا:
    قالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟
    قال ﷺ: «اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له» (صحيح البخاري)

  2. الأسباب جزء من القدر:
    الله قدّر النتائج بأسبابها. قدّر الشبع بالأكل، والنجاح بالعمل.

  3. أنت لا تعلم ما كُتب لك:
    كيف تترك العمل وأنت لا تدري ما قُدّر؟

  4. مثال:
    هل تقول: "إذا قدّر الله لي الشفاء فسأُشفى بلا دواء"؟ لا! بل تتداوى.

  5. قال ابن تيمية رحمه الله:

    "الاحتجاج بالقدر على ترك العمل من أبطل الباطل."


الشبهة الثانية: "القدر يُجبر الإنسان!"

❌ الشبهة: "إذا كان الله قدّر المعاصي، فالإنسان مجبور!"

✅ الرد:

  1. الإنسان يختار حقيقة:

    ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]

    لو كان مجبوراً لما قال "إما... وإما"!

  2. أنت تُفرّق بين الاختياري والاضطراري:
    هل نزول المطر عليك كصلاتك؟ لا! تشعر بالفرق.

  3. الله لا يُحاسب على المجبور عليه:

    ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

  4. لو كان مجبوراً لما استحق العقاب:
    هل يُعاقَب النائم على ما فعله نائماً؟

  5. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

    "القول بالجبر يُبطل الشريعة ويُبطل الثواب والعقاب."


الشبهة الثالثة: "لماذا يُعاقبني الله على ما قدّره؟"

❌ الشبهة: "الله قدّر المعصية ثم يُعاقبني عليها! هذا ظلم!"

✅ الرد:

  1. الله لم يُجبرك:
    قدّر وعلم، لكنك أنت اخترت.

  2. مثال:
    المعلم يعلم أن الطالب سيرسب لأنه لا يدرس... هل علمه أجبر الطالب؟ لا!

  3. القدر حجة لله لا لك:
    العبد لا يحتج بالقدر، لأنه لم يطّلع عليه قبل الفعل.

  4. لو صحّ الاحتجاج لبطلت العقوبات:
    كل مجرم يقول: "الله قدّر علي!" فهل نُعطّل القضاء؟

  5. قال الله لآدم:
    لم يقبل منه الاحتجاج بالقدر، بل أنزله من الجنة.


الشبهة الرابعة: "لماذا يخلق الله الشر؟"

❌ الشبهة: "إذا كان الله يخلق كل شيء، فهو يخلق الشر!"

✅ الرد:

  1. الله يخلق والشر ليس في فعله:
    الشر في المخلوق لا في الخلق. السكين مخلوقة، الشر في استخدامها للقتل.

  2. الله لا يُنسب إليه الشر:
    قال النبي ﷺ: «والشر ليس إليك» (صحيح مسلم)

  3. ما يبدو شراً قد يكون خيراً:

    ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]

  4. الحكمة قد تخفى:
    الطبيب يُؤلم المريض بالجراحة لمصلحته.

  5. قال ابن القيم رحمه الله:

    "ما يُسمى شراً إنما هو شر نسبي، أما في علم الله فكله خير."


الشبهة الخامسة: "لماذا يهدي الله من يشاء ويُضل من يشاء؟"

❌ الشبهة: "الله يهدي ويُضل، فلا عدل!"

✅ الرد:

  1. الهداية أنواع:

    • هداية الدلالة والبيان: هذه للجميع
    • هداية التوفيق: هذه بيد الله
  2. الله لا يُضل إلا من يستحق:

    ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: 26]
    ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]

    هم زاغوا أولاً!

  3. الهداية مبذولة لمن أرادها:

    ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]

  4. قال ابن تيمية رحمه الله:

    "الله لا يُضل أحداً ظلماً، بل يُضل من سبق منه ما يستوجب الإضلال."


📜 قصص وآثار في الإيمان بالقدر

قصة عمر بن الخطاب والطاعون

لما وصل عمر رضي الله عنه إلى الشام وعلم بالطاعون فيها، شاور الصحابة ثم قرر الرجوع.

فقال أبو عبيدة: "أفراراً من قدر الله؟"

فقال عمر: "نعم، نفرّ من قدر الله إلى قدر الله!"

ثم ضرب مثلاً: "لو كان لك إبل ونزلت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟"

**

قصة الحسين بن علي وقضاء الله

قيل للحسين رضي الله عنه: "إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة!"

فقال الحسين:

"رحم الله أبا ذر! أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له، لم يتمنَّ غير ما اختار الله له."


قصة عروة بن الزبير وبتر رجله

لما قُطعت رجل عروة بن الزبير رحمه الله بسبب الآكِلة (الغرغرينا)، وفي نفس الليلة مات ابنه بسقوط فرس عليه...

لم يقل كلمة شكوى، بل قال:

"اللهم لك الحمد! إن كنت أخذت فقد أبقيت، وإن كنت ابتليت فقد عافيت. أخذت عضواً وأبقيت أعضاء، وأخذت ابناً وأبقيت أبناء."

**

قصة أم سُليم والصبر على القدر

مات ابن أبي طلحة وهو غائب، فجهّزته أم سُليم...

فلما جاء زوجها سألها عن الولد، فقالت: "هو أسكن ما كان!"

ثم تزيّنت له وتعطّرت، فلما أصاب منها ما يصيب الرجل من أهله...

قالت: "يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا أهل بيت عارية، ثم طلبوها، ألهم أن يمنعوهم؟"

قال: لا.

قالت: "فاحتسب ابنك!"

فغضب وذهب للنبي ﷺ، فقال ﷺ: «بارك الله لكما في ليلتكما» فحملت بعبد الله بن أبي طلحة.


💎 أقوال العلماء في الإيمان بالقدر

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

"الإيمان بالقدر على درجتين: الأولى أن تعلم أن الله علم ما الخلق عاملون، وكتب ذلك. والثانية مشيئته النافذة وقدرته الشاملة."


الإمام ابن القيم رحمه الله

"القدر سر الله في خلقه، لا يُطّلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل."

"ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن."


الإمام الطحاوي رحمه الله

"وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم."


الشيخ ابن باز رحمه الله

"الإيمان بالقدر يُثمر الصبر عند المصائب، والشكر عند النعم، والتواضع عند النجاح."


ثمرات عظيمة للإيمان بالقدر

  1. طمأنينة لا توصف — كل شيء بقدر
  2. شجاعة في الحق — الأجل مكتوب
  3. راحة من الهم — ما فات لن يعود، وما هو آتٍ سيأتي
  4. تواضع — نجاحك بتوفيق الله لا بذكائك وحدك
  5. عدم الحسد — كل واحد له ما قُدّر له
  6. صبر جميل — المصائب مكتوبة قبل الخلق

دعاء

اللهم إني أسألك الرضا بالقضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك.
اللهم ما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشداً.

وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. 📖

جاري تحميل الشجرة...